قطر وأميرها.. مواقف لن ينساها التاريخ في ذكرى انقلاب تركيا الفاشل
يومها، وقف الشعب التركي عارياً بوجه الدبابات والأسلحة الثقيلة، حيث كان الحدث البطولي الذي تم تسطيره بمواجهة الانقلابيين، كان درسا ورسالة للعالم بأسره، أن حقبة تعيين الرؤساء والحكومات من قبل الغرب قد ولت وبات هذا الشعب يعبر عن إرادته وقيمه بكل الحرية.
قبيل المحاولة الانقلابية الفاشلة كانت تركيا قد وصلت إلى مستويات عالية على مستوى العالم من الناحية الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاستخباراتية والصناعات الدفاعية، لذلك أصبحت تركيا هدفا للاعتداءات المتزايدة، حيث إن الجهات المعادية لتركيا تسعى لإجبار تركيا على التراجع عن أهدافها ومشاريعها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية، والهدف هو إعادة تركيا إلى وضع الذل مجددا كما كانت في الثمانينيات من القرن الماضي.
مساء 15 يوليو 2016 تبين فعليا أن كلمة الفصل يحددها الإيمان والشجاعة لا المدفع والبندقية، لذلك نستطيع أن نقول اليوم وبعد مرور سبعة أعوام على تلك المحاولة الفاشلة إننا سنكمل حتمًا بناء تركيا القوية، فهذا الأمر فيه وفاء كبير لدماء شهداء 252 مواطنا ارتقوا في تلك الليلة دفاعا عن تركيا القوية. نعم، إن تاريخ المجتمعات حافل بنقاط تحوّل مثل الملاحم والأحداث البطولية والمنعطفات الخطيرة، لا يمكن نسيانها عبر الزمن، بل يتم تناقلها من جيل إلى جيل، وهذا ما نحرص عليه في تركيا.
وإلى جانب إحيائنا هذه الذكرى، لا يمكننا في تركيا أن ننسى الأطراف والجهات والشعوب التي وقفت إلى جانبنا في تلك الليلة، وخاصة السبَّاقين الذين كانوا إلى جانب الحق والبناء والتنمية والتطوير والعدالة والنهوض لا إلى جانب الانقلابات والتخريب والقتل والتدمير.
وأكثر من لا يمكن نسيانه هو الأول في أي شيء، وفي هذه الملحمة كانت قطر أول دولة على هذا الكوكب تقف معنا، وكان حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر أول زعيم في العالم يقف معنا.
قطر كانت الدولة المتفردة في المنطقة التي هبت لنصرة تركيا إعلاميا ودبلوماسيا وسياسيا، وشجبت وأدانت الانقلابيين منذ اللحظة الأولى لمحاولتهم الانقلابية.
ولم تكتف قطر بذلك، بل كانت أيضا أول دولة في العالم تهنئ تركيا بإفشال المخطط الانقلابي، وكان سمو الأمير أول زعيم في العالم يهنئ الرئيس أردوغان بهذا النصر.
بعد أيام قليلة من إفشال المحاولة الانقلابية في تركيا في 15 يوليو 2016، أكد الرئيس أردوغان أن سمو أمير قطر، كان أول من اتصل به ليلة محاولة الانقلاب، أي أثناء سير المحاولة الانقلابية، وذلك لتقديم دعم قطر لتركيا، وهنا أهمية الموضوع، إذ إن صاحب السمو لم ينتظر الساعات ليرى من سترجح كفّته (كما فعل الكثيرون حول العالم).. موقف سمو الأمير يعبّر عن صدق العلاقات والشراكات بين تركيا وقطر وبينه وبين الرئيس أردوغان.
أردوغان أشار أيضا إلى أن سمو الأمير كان على اتصال دائم في تلك الليلة للاطلاع على التطورات. وأوضح أردوغان أن سموه قال له في تلك الليلة "نحن إلى جانبكم في كل لحظة، ومستعدون للقيام بأي شيء يقع على عاتقنا".
وإلى جانب موقف سمو الأمير، كان أول بيان في العالم يصدر لإدانة الانقلابيين وتأييد الشرعية في تركيا هو من وزارة الخارجية القطرية. وقالت الوزارة في بيانها يومها إنها "تدين وتستنكر محاولة الانقلاب والخروج على القانون وانتهاك الشرعية الدستورية في جمهورية تركيا". وأكدت الوزارة "تضامن دولة قطر مع الجمهورية التركية الشقيقة في كافة الإجراءات القانونية التي تتخذها حكومتها الشرعية للحفاظ على أمن واستقرار تركيا وشعبها الشقيق". ودعا البيان لـ"ضرورة الحفاظ على الشرعية الدستورية، واحترام إرادة الشعب التركي، وعدم القيام بأي خطوة من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار في الجمهورية التركية الشقيقة".
وأيضا، اتصل ليلتها الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني وزير الخارجية حينها بنظيره التركي مولود تشاويش أوغلو وجدد تضامن قطر مع تركيا.
كانت قطر هي الأولى، وبعد قطر أتى الآخرون، منهم من أتى مضطرا ومنهم من أتى متأخرا ومنهم من كان يتمنى نجاح الانقلاب فانتظر كثيرا حتى أدان المحاولة الانقلابية.
واليوم بعد هذه الأعوام السبعة على إفشالنا لمشروع تدمير تركيا، وكما قال جودت يلماز، نائب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قبل أيام، فإنه حقيقةً لقد أصبحت شراكة تركيا وقطر واحدة من أنجح الشراكات في عالم اليوم.
نتيجة المواقف الصادقة المتبادلة بين الطرفين والتي تستمد قوتها من روابطنا التاريخية وروح التضامن، فإن العلاقات بين تركيا وقطر وصلت إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية.
علاقة متنامية يوما بعد يوم، بفضل الإرادة السياسية القوية لصاحب السمو وللرئيس أردوغان.
هذه العلاقة لا تخدم مصالح الطرفين وحسب، بل تخدم السلام والأمن والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث من المتوقع أن تتعزز هذه الشراكة أكثر وأكثر خلال انعقاد الدورة التاسعة للجنة الإستراتيجية العليا بين تركيا وقطر، والتي تستضيفها العاصمة القطرية الدوحة هذا العام.
نختم عن المحاولة الانقلابية الفاشلة التي هي مناسبة هذا المقال.. لنقول: لن ينسى التاريخ من خطط ونفذ ودعم وهلل لتلك المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، وطبعا لن ينسى التاريخ من وقف إلى جانب الشرعية والشعب وعلى رأسهم سمو الأمير وقطر حكومة وشعبا.
1 الإبعاد الإداري في القانون القطري
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد.
يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها.
أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر.
وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها.
عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية.
ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر.
تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه.
راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات!
والسؤال هنا:
لماذا؟
ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟
وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟
والأهم: أين الرقابة؟
هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟
هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟
بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل.
ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم.
لكن هل هناك سقف للمبالغة؟
هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟
هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟
وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟
هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة.
والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير.
هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري).
نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟
حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه.
وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية.
كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره.
نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها.
لا نطالب بإلغاء الربح.
ولا بإلغاء المنافسة.
نطالب بشيء أبسط:
الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة.
لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو:
إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد.
ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان.
يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض.
لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي.
ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم:
«عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ
جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري»
وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني:
«عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي
شمسانِ نائمتانِ في أهدابي»
وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر.
ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها.
ومن هنا تأتي قسوة المفارقة.
فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج.
والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله.
عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة.
وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة.
لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ.
ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا.
طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا.
وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه.
كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي.
كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى!
ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها.
ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين.
عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد.
ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه.
العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟
ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه.
ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء.
فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت.
وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها.
ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به.
وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر.
نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار.
نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي.
فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة.
لهذا لا نرثي بغداد.
نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها.
وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم:
طال الليل…
أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟