تركيا والاحتلال الإسرائيلي.. لماذا تختار أنقرة الهدوء في مواجهة الاستفزاز؟

في خضم التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وفي ظل تصاعد التوتر بين تركيا والاحتلال الإسرائيلي، تبرز أسئلة كثيرة حول طبيعة الموقف التركي، وأسباب حرص أنقرة على التعامل مع الاستفزازات الإسرائيلية العدوانية بدرجة عالية من الهدوء وضبط النفس.
هل يمثل هذا الهدوء تراجعًا؟
وهل يعني أن تركيا غير قادرة على الرد أو غير راغبة في الرد أصلا؟
أم أن ما نراه اليوم هو في الحقيقة جزء من استراتيجية أوسع، تقوم على قراءة دقيقة لموازين القوى، وتجنب الوقوع في الفخ الذي يحاول الاحتلال الإسرائيلي نصبه لتركيا؟
الإجابة تكمن في النقطة الأخيرة تحديدًا.
الاحتلال الإسرائيلي لا ينظر إلى تركيا كما كان ينظر إليها قبل أعوام، فهناك تغير واضح في طريقة تعامل الاحتلال الإسرائيلي مع تركيا.
تركيا اليوم ليست تركيا التي كانت عليها قبل عقد أو عقدين.
تركيا طورت قدراتها العسكرية والدفاعية والتكنولوجية بصورة كبيرة، ورسخت حضورها الجيوسياسي في ملفات إقليمية ودولية متعددة، وأصبحت تمتلك هامشًا أوسع من القدرة على الحركة والتأثير.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أهم نقاط القلق الإسرائيلي.
فالصناعات الدفاعية التركية لم تعد مجرد قطاع صناعي يعمل داخل حدود تركيا، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في القوة الاستراتيجية للدولة التركية.
الطائرات المسيّرة، والصناعات الجوية والبحرية، والصواريخ وخاصة البالستية منها، وأنظمة الدفاع، والتكنولوجيا العسكرية المتطورة، كلها جعلت تركيا أكثر استقلالًا في قرارها العسكري والسياسي.
وهذا الاستقلال تحديدًا يزعج الاحتلال الإسرائيلي.
إسرائيل اعتادت، لعقود، أن تتحرك في بيئة إقليمية تتمتع فيها بتفوق عسكري وتكنولوجي واسع، ولكن عندما تظهر قوة إقليمية كبرى تمتلك إرادة سياسية مستقلة وقدرات عسكرية متطورة، فإن الحسابات تتغير.
لذلك لا ينبغي النظر إلى التصعيد الإسرائيلي تجاه تركيا باعتباره مجرد خلاف سياسي عابر.
نتنياهو والاستفزاز.. ماذا يريد الاحتلال الإسرائيلي؟
في تقديري، فإن حكومة بنيامين نتنياهو - المطلوب للقضاء الدولي بتهم جرائم حرب - تدرك جيدًا حساسية العلاقة مع تركيا، ولذلك فإن جزءًا من سياستها يقوم على اختبار ردود الفعل التركية واستفزاز أنقرة ودفعها إلى اتخاذ خطوات قد تكون محسوبة إسرائيليًا مسبقًا.
لماذا؟
لأن إدخال تركيا في مواجهة عسكرية مباشرة أو شبه مباشرة قد يخدم أكثر من هدف إسرائيلي في الوقت نفسه.
أولًا، يمكن استخدام التصعيد خارجيًا لتحشيد الجمهور الإسرائيلي حول نتنياهو تحت شعار وجود تهديد إقليمي جديد تمثله تركيا.
وثانيًا، يمكن أن يؤدي دفع تركيا إلى رد فعل عسكري متسرع إلى تغيير صورة الصراع من اعتداءات إسرائيلية في المنطقة إلى “مواجهة بين دولتين”، وهو تحول يخدم الرواية السياسية الإسرائيلية.
وثالثًا، فإن انشغال تركيا بمواجهة عسكرية مفتوحة قد يفرض عليها استنزافًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، في وقت تعمل فيه أنقرة على بناء قوة اقتصادية ودفاعية وإقليمية طويلة الأمد.
ولهذا فإن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه تركيا هو أن تسمح للخصم أن يحدد لها توقيت المواجهة وشكلها.
سوريا.. الساحة الأكثر حساسية فهي تمثل إحدى أهم ساحات التنافس الإقليمي في المرحلة الحالية.
إسرائيل تنظر بقلق إلى تنامي الدور التركي في سوريا، خصوصًا في المجال العسكري والأمني، ومن هنا يمكن فهم كثير من التحركات الإسرائيلية التي تستهدف مواقع أو منشآت سورية، والتي تحاول تل أبيب تقديمها في إطار أمني أو عسكري محدد.
لكن السؤال الأهم هو: هل كل هذه التحركات مرتبطة فعلًا بضرورات عسكرية مباشرة؟ أم أنها جزء من محاولة أوسع لمنع تشكل واقع إقليمي جديد؟
في تقديري، فإن المسألة أكبر من مجرد أهداف عسكرية محددة.
الاحتلال الإسرائيلي يريد أن يقول لتركيا إن هناك حدودًا لدورها في سوريا، وإنه لن يسمح بسهولة بترسيخ ترتيبات إقليمية جديدة لا تتوافق مع مصالحه.
لكن تركيا، في المقابل، لديها حساباتها الخاصة.. تركيا تنظر إلى سوريا باعتبارها دولة جارة ذات أهمية استراتيجية مباشرة للأمن القومي التركي، وليس باعتبارها ساحة صراع بعيدة يمكن التعامل معها من الخارج.
ولهذا فإن التعاون التركي السوري، خصوصًا في المجالين الأمني والعسكري، لا يمكن اختزاله في رد فعل مؤقت على تحرك إسرائيلي عدواني استفزازي هنا أو هناك.
هذا التعاون هو جزء من رؤية أوسع لإعادة بناء التوازن في المنطقة.
لماذا لا تتراجع تركيا؟
قد يسأل البعض: إذا كان الاحتلال الإسرائيلي يصعّد، فلماذا لا ترد تركيا بالمثل؟
الجواب، في رأيي، أن عدم الرد بالطريقة التي يتوقعها الخصم لا يعني عدم امتلاك القدرة على الرد.
هناك فرق كبير بين القدرة على المواجهة وبين اختيار توقيت المواجهة.
الدول الكبرى لا تتحرك دائمًا بمنطق الانفعال، فقد يكون بإمكانك الرد، لكنك تختار ألا تفعل لأن الرد في تلك اللحظة يخدم خصمك أكثر مما يخدمك، وهذا تحديدًا هو الموقف التركي الحالي.
تركيا ليست بحاجة إلى إثبات قوتها عبر الدخول في حرب جديدة كلما تعرضت لاستفزاز، فالقوة الحقيقية هي أن تمتلك القدرة، وأن يعرف الآخرون أنك تمتلكها، ثم تختار أنت متى وكيف تستخدمها.
اتفاقية مكة ومعادلة جديدة في المنطقة، وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل التحولات التي تشهدها العلاقات التركية مع القوى الإقليمية الأخرى، وعلى رأسها السعودية وباكستان.
فالتقارب بين هذه الدول، والتعاون الدفاعي والأمني المتزايد، وخصوصًا ما يرتبط باتفاقية مكة، يشيران إلى محاولة لبناء ترتيبات إقليمية جديدة تقوم على التعاون بين قوى إسلامية وإقليمية وازنة.. وهذه التطورات لا يمكن فصلها عن الحسابات الإسرائيلية.
الاحتلال الإسرائيلي يفضل بيئة إقليمية تكون فيها الدول الكبرى متباعدة، متنافسة، أو منشغلة بخلافاتها البينية، أما ظهور مساحات جديدة للتعاون بين تركيا والسعودية وباكستان وغيرها من القوى، فإنه يخلق معادلة مختلفة تمامًا.
المسألة هنا ليست بالضرورة تشكيل “محور” بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما بناء شبكة من المصالح والتعاون تجعل محاولة عزل أي دولة أو الضغط عليها أكثر صعوبة.. وهذا بحد ذاته تطور استراتيجي مهم.
تركيا لا تريد الحرب.. لكنها لا تخاف منها، وهناك نقطة أرى ضرورة توضيحها باستمرار:
رغبة تركيا في تجنب الحرب لا تعني خوفها من الحرب، فتركيا دولة تمتلك جيشًا قويًا، وصناعات دفاعية متطورة، وتجربة طويلة في إدارة العمليات العسكرية، وموقعًا جيوسياسيًا يجعلها لاعبًا لا يمكن تجاهله في الشرق الأوسط.
لكن تركيا في الوقت نفسه دولة لديها اقتصاد، ومشاريع تنموية، واستثمارات، وصناعة، وطموحات طويلة الأمد، والدولة التي تريد أن تصبح قوة عالمية لا يمكن أن تسمح لنفسها أن تكون رهينة لصراعات مفتوحة لا تنتهي.
لهذا فإن الهدوء التركي الحالي يمكن قراءته باعتباره استثمارًا في المستقبل.
تركيا تريد أن تنمو، وأن تطور صناعاتها، وأن تزيد استقلالها العسكري والاقتصادي، وأن توسع علاقاتها الدولية، وأن تعزز موقعها في العالم، وهذه الأهداف تحتاج إلى الاستقرار أكثر مما تحتاج إلى التحركات العسكرية.
لا ينبغي للاحتلال الإسرائيلي أن يسيء قراءة الهدوء التركي.. لكن هناك رسالة أخرى مهمة في المقابل.
إذا اعتقد الاحتلال الإسرائيلي أن الهدوء التركي يعني الضعف، فإنه قد يقع في خطأ استراتيجي كبير، فتركيا التي تُظهر الهدوء اليوم ليست بالضرورة تركيا التي كانت قبل سنوات، فقد تكون تركيا الحالية أكثر قدرة على الصبر، وأكثر قدرة على بناء التحالفات، وأكثر قدرة على تطوير صناعاتها الدفاعية، وأكثر قدرة على الانتظار حتى تتغير الظروف.
والتاريخ يعلمنا أن الدول لا تقاس فقط بما تفعله في لحظة الغضب، وإنما بما تستطيع بناءه خلال سنوات.
لهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا ترد تركيا الآن؟
بل السؤال هو: ماذا تبني تركيا بينما يعتقد البعض أنها منشغلة فقط بالرد؟
الإجابة تشمل صناعة دفاعية تتطور، وعلاقات إقليمية تتوسع، ودورًا متزايدًا مع سوريا، وشبكة علاقات دولية أكثر تنوعًا، وقدرة أكبر على اتخاذ القرار بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
في النهاية، فإن الصراع التركي الإسرائيلي لا ينبغي اختزاله في حادثة عسكرية أو تصريح سياسي أو هجوم هنا وهناك.
المواجهة الأعمق تتعلق بالسؤال الأكبر: أي شرق أوسط سيتشكل خلال السنوات المقبلة؟
هل ستكون المنطقة قائمة على موازين قوى يفرضها الاحتلال الإسرائيلي وحده؟ أم ستظهر فيها قوى إقليمية متعددة تمتلك القدرة على التأثير وصناعة القرار؟
هنا تحديدًا تكمن أهمية تركيا. تركيا التي لا تريد أن تدخل في حرب من أجل الحرب، ولا تريد أن تثبت قوتها عبر إطلاق النار فقط.
هي تريد أن تكون قوة مؤثرة، وأن تكون صاحبة قرار، وأن تمتلك الأدوات التي تجعل الآخرين يحسبون حساب مصالحها، ولهذا فإن الهدوء التركي الحالي، في تقديري، ليس علامة ضعف.
إنه خيار استراتيجي، وقد لا يكون صاخبًا، وقد لا يحمل دائمًا ردودًا دراماتيكية، لكنه يقوم على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: ليس المهم أن تربح معركة واحدة، بل أن تضمن أن تكون أقوى في المعركة التي ستحدد مستقبل المنطقة.
وهذا هو بالضبط ما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية، فالاحتلال الإسرائيلي حاول اختبار حدود تركيا، وتركيا في المقابل تعيد بناء قوتها.
والفارق بين الأمرين كبير جدًا.